ابن كثير

323

البداية والنهاية

مما ناصفهم عليه النواب والعمال وفتح قيسارية من بلاد الروم ، وأوقع بالروم والمغول على البلستين بأسا لم يسمع بمثله من دهور متطاولة ، واستعاد من صاحب سيس بلادا كثيرة ، وجاس خلال ديارهم وحصونهم ، واسترد من أيدي المتغلبين من المسلمين بعلبك وبصرى وصرخد وحمص وعجلون والصلت وتدمر والرحبة وتل باشر وغيرها ، والكرك والشوبك ، وفتح بلاد النوبة بكمالها من بلاد السودان ، وانتزع بلادا من التتار كثيرة ، منها شيرزور والبيرة ، واتسعت مملكته من الفرات إلى أقصى بلاد النوبة ، وعمر شيئا كثيرا من الحصون والمعاقل والجسور على الأنهار الكبار ، وبنى دار الذهب بقلعة الجبل ، وبنى قبة على اثني عشر عمودا ملونة مذهبة ، وصور فيها صور خاصكيته وأشكالهم ، وحفر أنهارا كثيرة وخلجانات ببلاد مصر ، منها نهر السرداس ، وبنى جوامع كثيرة ومساجد عديدة ، وجدد بناء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين احترق ، ووضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة ، وعمل فيه منبرا وسقفه بالذهب ، وجدد المارستان بالمدينة ، وجدد قبر الخليل عليه السلام ، وزاد في زاويته وما يصرف إلى المقيمين ، وبنى على المكان المنسوب إلى قبر موسى عليه السلام قبة قبلي أريحا ، وجدد بالقدس أشياء حسنة من ذلك قبة السلسلة ، ورمم سقف الصخرة وغيرها ، وبنى بالقدس خانا هائلا بماملا ، ونقل إليه باب قصر الخلفاء الفاطميين من مصر ، وعمل فيه طاحونا وفرنا وبستانا ، وجعل للواردين إليه أشياء تصرف إليهم في نفقة وإصلاح أمتعتهم رحمه الله . وبنى على قبر أبي عبيدة بالقرب من عمتنا مشهدا ، ووقف عليه أشياء للواردين إليه ، وعمر جسر دامية ، وجدد قبر جعفر الطيار بناحية الكرك ، ووقف على الزائرين له شيئا كثيرا ، وجدد قلعة صفت وجامعها ، وجدد جامع الرملة وغيرها في كثير من البلاد التي كانت الفرنج قد أخذتها وخربت جوامعها ومساجدها ، وبنى بحلب دارا هائلة ، وبدمشق القصر الأبلق والمدرسة الظاهرية وغيرها ، وضرب الدراهم والدنانير الجيدة الخالصة على النصح والمعاملة الجيدة الجارية بين الناس ، فرحمه الله . وله من الآثار الحسنة والأماكن ما لم يبن في زمن الخلفاء وملوك بني أيوب ، مع اشتغاله في الجهاد في سبيل الله واستخدم من الجيوش شيئا كثيرا ، ورد إليه نحوا من ثلاثة آلاف من المغول فأقطعهم وأمر كثيرا منهم ، وكان مقتصدا في ملبسه ومطعمه وكذلك جيشه ، وهو الذي أنشأ الدولة العباسية بعد دثورها ، وبقي الناس بلا خليفة نحوا من ثلاث سنين ، وهو الذي أقام من كل مذهب قاضيا مستقلا قاضي قضاة . وكان رحمه الله متيقظا شهما شجاعا لا يفتر عن الأعداء ليلا ولا نهارا ، بل هو مناجز لأعداء الاسلام وأهله ، ولم شعثه واجتماع شمله . وبالجملة أقامه الله في هذا الوقت المتأخر عونا ونصرا للاسلام وأهله ، وشجا في حلوق المارقين من الفرنج والتتار ، والمشركين . وأبطل الخمور ونفى الفساق من البلاد ، وكان لا يرى شيئا من الفساد والمفاسد إلى سعى في إزالته بجهده وطاقته . وقد ذكرنا في سيرته ما أرشد إلى حسن طويته وسريرته ، وقد جمع له كاتبه ابن عبد الظاهر سيرة مطولة ، وكذلك ابن شداد أيضا . وقد ترك من